Responsive Ad Slot

اخر الأخبار

أزمة سياسية فادحة تجلب "تسونامي الانفصال" إلى إقليم كاطالونيا

سيدي القاضي، لستُ نادما على مشاركتي في المطالبة باستقلال كاطالونيا وتأسيس الجمهورية الكطلانية بالوسائل السلمية، ولِتعْلم الدولة الإسبانية أن تسونامي ديمقراطيا قادم لا محالة دفاعا عن استقلالنا

الخميس، 17 أكتوبر 2019

/ بقلم News Time - نيوز تايم

"سيدي القاضي، لستُ نادما على مشاركتي في المطالبة باستقلال كاطالونيا وتأسيس الجمهورية الكطلانية بالوسائل السلمية، ولِتعْلم الدولة الإسبانية أن تسونامي ديمقراطيا قادم لا محالة دفاعا عن استقلالنا".
هكذا أجاب أحد زعماء الحركة الانفصالية في كاطالونيا، جوردي كويسارت (Jordi Cuisart)، على سؤال رئيس المحكمة العليا بمدريد عن التهم الموجهة إليه بالتمرد والتحريض على قلب نظام الحكم في إسبانيا، وكرر بقية المتهمين هذه الجملة خلال محاكمتهم، وبدت كأنها لا تعدو أن تكون جزء من استراتيجية الدفاع التي كانت تعتبر أن المحاكمة سياسية، وأن المتهمين "معتقلون سياسيون" يحاكمون على نواياهم السياسية السلمية.
بعد صدور الأحكام الثقيلة في حق المتهمين يوم 14 أكتوبر الفارط، التي تراوحت بين 9 سنوات و13 سنة سجنا نافذا، اندلعت تظاهرات واحتجاجات ما زالت مستمرة ومتصاعدة في كل المدن الكطلانية، أغلبها تخللها عنف غير مسبوق ومواجهات مع الشرطة الكطلانية.
ورغم أن التظاهرات والاحتجاجات كانت مُحتملة، ورغم أن الحكومة الكطلانية المدعومة بأغلبية انفصالية دعت هي الأخرى إلى الاحتجاج السلمي، ونزول الكطلانيين إلى الشوارع، ورغم أن الحكومة الإسبانية تهيأت بما فيه الكفاية لمواجهة الأزمة، إلا أن المثير أن آليات التنظيم المُحكم لهذه الاحتجاجات التي فاجأت الجميع لم تكن من تنظيم ما يسمى بلجان الدفاع عن الجمهورية (CDR) التي أشرفت على الاحتجاجات السابقة وتشكلت بعد الاستفتاء القانوني يوم 1 أكتوبر من السنة الفارطة.
فقد تبين لاحقا أن حركة جديدة برزت مباشرة بعد الأحكام تحمل اسم "التسونامي الديمقراطي"، وهي الجملة نفسها التي كان يكررها زعماء الانفصال أثناء محاكمتهم، وتبين، حسب المحللين والمتابعين للأزمة، أن الجملة لم تكن اعتباطية ولا من محض الصدفة، بل كانت توجيها من وسط قاعة المحاكمة ــ التي كانت تُنقل مباشرة عبر الإعلام المرئي والسمعي ــ لقواعد الانفصال الكطلانية وفق خطة مُحكمة لتنظيم المواجهة على المدى البعيد. وبينت تحقيقات صحافية أن الحركة تشتغل ببرنامج عبر الشبكة العنكبوتية عجزت قوات الأمن وأجهزة مخابرات الدولة على اختراقه حتى الآن.
مشاهد العنف التي رافقت الاحتجاجات تستمر إلى الآن، وتتحول إلى أشكال من العصيان المدني ومحاولة المتظاهرين السيطرة على المواقع الاستراتيجية في أغلب مدن كاطالونيا، كاحتلال مطار "البرات" (El Prat) ببرشلونة وقطع الطرق السيارة المؤدية إلى عاصمة الجهة، والإعلان عن إضرابات في الجامعات وفي قطاعات عمالية حيوية.
وتعرف برشلونة اليوم ومدن أخرى بالجهة شللا تاما في ظل استمرار المواجهات. ومن مؤشرات تفاقم الأزمة دعوة رئيس حكومة تصريف الأعمال، بيدرو شانشيص، إلى اجتماع طارئ (16 اكتوبر) بكل من زعيم الحزب الشعبي بابلو كاسادو، وزعيم سيودادانوس ألبرت ريبيرا، وزعيم بوديموس بابلو إغلسياس. وتتداول وسائل الإعلام الإسبانية احتمال اتفاق الحكومة وأحزاب المعارضة على تفعيل الفصل 155 من الدستور وحل مؤسسات الحكم الذاتي بكاطالونيا، وكذلك قانون الأمن القومي.
على الجانب الآخر، اجتمعت يوم 16 أكتوبر الحكومة الجهوية في كاطالونيا، وتتداول وسائل الإعلام احتمال انقسامات في صفوف الانفصاليين بين أعضاء من الحكومة الجهوية داعمين للاحتجاجات والتظاهرات، وآخرين يدينون العنف ويطالبون بضبط النفس والالتزام بالسلمية في التظاهر والاحتجاج.
لا يبدو أن تداعيات الأزمة ستتوقف في القريب العاجل، واحتمال استمرارها وتطورها وارد وبقوة، ويزيد من حدتها أنها تُوافق اقتراب تاريخ الانتخابات التشريعية يوم 10 نوفمبر القادم.
الواضح أن أزمة كطالونيا سياسية، وأن السياسيين الإسبان والكطلانيين أخفقوا من جديد في إيجاد حلول سياسية، وتطرف الحكومة اليمينية السابقة أفرز في المقابل تطرفا كطلانيا وانقسام المجتمع الكطلاني إلى نصفين، أحدهما انفصالي والثاني وحدوي، وجاء اللجوء إلى القضاء واستبدال السياسة بالردع ليؤجج من المواجهة التي تجر إسبانيا اليوم إلى أزمة خطيرة أثبتت التجارب السابقة أثناء الجمهورية الثانية أنها لن تساعد على إيجاد حل لهذه الأزمة، ويتأكد اليوم أن العودة إلى الحوار وإعادة الملف الكطلاني إلى حضيرة السياسة هو الحل الوحيد والممكن لهذه الأزمة.
حتى الآن تستمر المواجهات، ويستمر الانقسام بين الوحدويين الذين يعتبرون أن الأحكام كانت مخففة ولا ترقى إلى مستوى الردع المطلوب في تهم من قبيل التمرد والعصيان ومحاولة قلب النظام، وبين الانفصاليين وعدد كبير من الكطلانيين الذين يعتبرون أن الأحكام قاسية وستساهم في المزيد من التوتر والاحتقان والتطرف، بينهما ترتفع أصوات تدعو إلى التريث، والعودة إلى الحوار والبحث عن حل سياسي لأزمة هي سياسية بامتياز، ومثل هذا الاختيار لن يستقيم حسب المعتدلين من الانفصاليين والوحدويين دون إصدار عفو عن المحكومين من زعماء الحركة الانفصالية.
من المؤشرات الايجابية القليلة إلى الآن أن اجتماع رئيس حكومة تصريف الأعمال مع زعماء الأحزاب الوطنية في البرلمان انتهى صباح اليوم 16 أكتوبر بالتوافق على الصرامة في مواجهة كل مظاهر العنف في التظاهرات والاحتجاجات، وعدم تطبيق الفصل 155 من الدستور القاضي بحل مؤسسات الحكم الذاتي، وقانون الأمن القومي في الظرف الراهن، ما ترجمه بعض المحللين بأنه إشارة من الأحزاب الوحدوية ومن حكومة تصريف الأعمال الاشتراكية بالرهان على الحوار والعودة بملف هذه الأزمة إلى طاولة الحوار والسياسة.

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

المواضيع الهامة
© All Rights Reserved 2019
Made With By NewsTime